وطن بلاوطن

منتدى اسلامي ثقافي .......
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 صحيح البخاري (الجزء-التاسع) ‏حلاوة الإيمان

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Dragon__Rouge

avatar

المساهمات : 210
تاريخ التسجيل : 05/12/2008
العمر : 32

مُساهمةموضوع: صحيح البخاري (الجزء-التاسع) ‏حلاوة الإيمان   الثلاثاء ديسمبر 16, 2008 11:32 am

‏باب ‏ ‏حلاوة الإيمان ‏
فتح الباري بشرح صحيح البخاري
‏قوله : ( باب حلاوة الإيمان ) ‏
‏قصد المصنف أن الحلاوة من ثمرات الإيمان . ولما قدم أن محبة الرسول من الإيمان أردفه بما يوجد حلاوة ذلك .
‏حدثنا ‏ ‏محمد بن المثنى ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏عبد الوهاب الثقفي ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏أيوب ‏ ‏عن ‏ ‏أبي قلابة ‏ ‏عن ‏ ‏أنس بن مالك ‏ ‏رضي الله عنه ‏
‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن ‏ ‏يقذف ‏ ‏في النار ‏
فتح الباري بشرح صحيح البخاري
‏قوله : ( حدثنا محمد بن المثنى ) ‏
‏هو أبو موسى العنزي بفتح النون بعدها زاي , قال حدثنا عبد الوهاب هو ابن عبد المجيد , حدثنا أيوب هو ابن أبي تميمة السختياني بفتح السين المهملة على الصحيح وحكي ضمها وكسرها , عن أبي قلابة بكسر القاف وبباء موحدة . ‏
‏قوله : ( ثلاث ) ‏
‏هو مبتدأ والجملة الخبر , وجاز الابتداء بالنكرة لأن التنوين عوض المضاف إليه , فالتقدير ثلاث خصال , ويحتمل في إعرابه غير ذلك . ‏
‏قوله : ( كن ) ‏
‏أي : حصلن , فهي تامة . وفي قوله " حلاوة الإيمان " استعارة تخييلية , شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو وأثبت له لازم ذلك الشيء وأضافه إليه , وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مرا والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه , وكلما نقصت الصحة شيئا ما نقص ذوقه بقدر ذلك , فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يقوي استدلال المصنف على الزيادة والنقص . قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة : إنما عبر بالحلاوة لأن الله شبه الإيمان بالشجرة في قوله تعالى ( مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ) فالكلمة هي كلمة الإخلاص , والشجرة أصل الإيمان , وأغصانها اتباع الأمر واجتناب النهي , وورقها ما يهتم به المؤمن من الخير , وثمرها عمل الطاعات , وحلاوة الثمر جني الثمرة , وغاية كماله تناهي نضج الثمرة وبه تظهر حلاوتها . ‏
‏قوله : ( أحب إليه ) ‏
‏منصوب لأنه خبر يكون , قال البيضاوي : المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه وإن كان على خلاف هوى النفس , كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه , ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله , فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل , والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك , تمرن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعا له , ويلتذ بذلك التذاذا عقليا , إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك . وعبر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة . قال : وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانا لكمال الإيمان لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى , وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة سواه , وأن ما عداه وسائط , وأن الرسول هو الذي يبين له مراد ربه , اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه : فلا يحب إلا ما يحب , ولا يحب من يحب إلا من أجله . وأن يتيقن أن جملة ما وعد وأوعد حق يقينا . ويخيل إليه الموعود كالواقع , فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة , وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار . انتهى ملخصا . وشاهد الحديث من القرآن قوله تعالى ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم - إلى أن قال - أحب إليكم من الله ورسوله ) ثم هدد على ذلك وتوعد بقوله : ( فتربصوا ) . ‏
‏( فائدة ) : ‏
‏فيه إشارة إلى التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل , فالأول من الأول والأخير من الثاني . وقال غيره : محبة الله على قسمين فرض وندب , فالفرض المحبة التي تبعث على امتثال أوامره والانتهاء عن معاصيه والرضا بما يقدره , فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره في محبة الله حيث قدم هوى نفسه والتقصير تارة يكون مع الاسترسال في المباحات والاستكثار منها , فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء فيقدم على المعصية , أو تستمر الغفلة فيقع . وهذا الثاني يسرع إلى الإقلاع مع الندم . وإلى الثاني يشير حديث " لا يزني الزاني وهو مؤمن " والندب أن يواظب على النوافل ويتجنب الوقوع في الشبهات , والمتصف عموما بذلك نادر . قال : وكذلك محبة الرسول على قسمين كما تقدم , ويزاد أن لا يتلقى شيئا من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاته , ولا يسلك إلا طريقته , ويرضى بما شرعه , حتى لا يجد في نفسه حرجا مما قضاه , ويتخلق بأخلاقه في الجود والإيثار والحلم والتواضع وغيرها , فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان , وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك . وقال الشيخ محيي الدين : هذا حديث عظيم , أصل من أصول الدين . ومعنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات , وتحمل المشاق في الدين , وإيثار ذلك على أعراض الدنيا , ومحبة العبد لله تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته , وكذلك الرسول . وإنما قال " مما سواهما " ولم يقل " ممن " ليعم من يعقل ومن لا يعقل . قال : وفيه دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية . وأما قوله للذي خطب فقال : ومن يعصهما " بئس الخطيب أنت " فليس من هذا ; لأن المراد في الخطب الإيضاح , وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ , ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قاله في موضع آخر قال " ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه " . واعترض بأن هذا الحديث إنما ورد أيضا في حديث خطبة النكاح , وأجيب بأن المقصود في خطبة النكاح أيضا الإيجاز فلا نقض . وثم أجوبة أخرى , منها : دعوى الترجيح , فيكون حيز المنع أولى لأنه عام . والآخر يحتمل الخصوصية ; ولأنه ناقل والآخر مبني على الأصل ; ولأنه قول والآخر فعل . ورد بأن احتمال التخصيص في القول أيضا حاصل بكل قول ليس فيه صيغة عموم أصلا , ومنها دعوى أنه من الخصائص , فيمتنع من غير النبي صلى الله عليه وسلم ولا يمتنع منه لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية , بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك . وإلى هذا مال ابن عبد السلام . ومنها دعوى التفرقة بوجه آخر , وهو أن كلامه صلى الله عليه وسلم هنا جملة واحدة فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مقام المضمر , وكلام الذي خطب جملتان لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر . وتعقب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر أن يكره إقامة المضمر فيها مقام الظاهر , فما وجه الرد على الخطيب مع أنه هو صلى الله عليه وسلم جمع كما تقدم ؟ ويجاب بأن قصة الخطيب - كما قلنا - ليس فيها صيغة عموم , بل هي واقعة عين , فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس من يخشى عليه توهم التسوية كما تقدم . ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين , لا كل واحدة منهما , فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى . فمن يدعي حب الله مثلا ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك , ويشير إليه قوله تعالى ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد ومحبة الله تعالى للعباد . وأما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية , إذ العطف في تقدير التكرير , والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم , ويشير إليه قوله تعالى ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) فأعاد " أطيعوا " في الرسول ولم يعده في أولي الأمر لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول . انتهى ملخصا من كلام البيضاوي والطيبي . ومنها أجوبة أخرى فيها تكلم : منها أن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه , ومنها أن له أن يجمع بخلاف غيره . ‏
‏قوله : ( وأن يحب المرء ) ‏
‏قال يحيى بن معاذ : حقيقة الحب في الله أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء . ‏
‏قوله : ( وأن يكره أن يعود في الكفر ) ‏
‏زاد أبو نعيم في المستخرج من طريق الحسن بن سفيان عن محمد بن المثنى شيخ المصنف " بعد إذ أنقذه الله منه " , وكذا هو في طريق أخرى للمصنف , والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء بأن يولد على الإسلام ويستمر , أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان كما وقع لكثير من الصحابة , وعلى الأول فيحمل قوله " يعود " على معنى الصيرورة , بخلاف الثاني فإن العودة فيه على ظاهره . فإن قيل : فلم عدى العود بفي ولم يعده بإلى ؟ فالجواب أنه ضمنه معنى الاستقرار , وكأنه قال يستقر فيه . ومثله قوله تعالى ( وما يكون لنا أن نعود فيها ) . ‏
‏( تنبيه ) : ‏
‏هذا الإسناد كله بصريون . وأخرجه المصنف بعد ثلاثة أبواب من طريق شعبة عن قتادة عن أنس , واستدل به على فضل من أكره على الكفر فترك البتة إلى أن قتل , وأخرجه من هذا الوجه في الأدب في فضل الحب في الله , ولفظه في هذه الرواية " وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه " وهي أبلغ من لفظ حديث الباب ; لأنه سوى فيه بين الأمرين , وهنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه الله بالخروج منه في نار الأخرى , وكذا رواه مسلم من هذا الوجه , وصرح النسائي في روايته والإسماعيلي بسماع قتادة له من أنس , والله الموفق . وأخرجه النسائي من طريق طلق بن حبيب عن أنس وزاد في الخصلة الثانية ذكر البغض في الله ولفظه " وأن يحب في الله ويبغض في الله " وقد تقدم للمصنف في ترجمته " والحب في الله والبغض في الله من الإيمان " وكأنه أشار بذلك إلى هذه الرواية . والله أعلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Dragon__Rouge

avatar

المساهمات : 210
تاريخ التسجيل : 05/12/2008
العمر : 32

مُساهمةموضوع: صحيح البخاري (الجزء-التاسع) ‏حلاوة الإيمان   الثلاثاء ديسمبر 16, 2008 11:39 am

‏باب ‏ ‏علامة الإيمان حب ‏ ‏الأنصار ‏
فتح الباري بشرح صحيح البخاري
‏‏قوله : ( باب ) ‏
‏هو منون . ولما ذكر في الحديث السابق أنه " لا يحبه إلا الله " عقبه بما يشير إليه من أن حب الأنصار كذلك ; لأن محبة من يحبهم من حيث هذا الوصف - وهو النصرة - إنما هو لله تعالى , فهم وإن دخلوا في عموم قوله " لا يحبه إلا لله " لكن التنصيص بالتخصيص دليل العناية .
‏حدثنا ‏ ‏أبو الوليد ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏شعبة ‏ ‏قال أخبرني ‏ ‏عبد الله بن عبد الله بن جبر ‏ ‏قال سمعت ‏ ‏أنسا ‏
‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏آية ‏ ‏الإيمان حب ‏ ‏الأنصار ‏ ‏وآية ‏ ‏النفاق بغض ‏ ‏الأنصار ‏
فتح الباري بشرح صحيح البخاري
‏قوله : ( حدثنا أبو الوليد ) ‏
‏هو الطيالسي ‏
‏قوله : ( جبر ) ‏
‏بفتح الجيم وسكون الموحدة , وهو ابن عتيك الأنصاري , وهذا الراوي ممن وافق اسمه اسم أبيه . . ‏
‏قوله : ( آية الإيمان ) ‏
‏هو بهمزة ممدودة وياء تحتانية مفتوحة وهاء تأنيث , والإيمان مجرور بالإضافة , هذا هو المعتمد في ضبط هذه الكلمة في جميع الروايات , في الصحيحين والسنن والمستخرجات والمسانيد . والآية : العلامة كما ترجم به المصنف , ووقع في إعراب الحديث لأبي البقاء العكبري " إنه الإيمان " بهمزة مكسورة ونون مشددة وهاء , والإيمان مرفوع , وأعربه فقال : إن للتأكيد , والهاء ضمير الشأن , والإيمان مبتدأ وما بعده خبر , ويكون التقدير : إن الشأن الإيمان حب الأنصار . وهذا تصحيف منه . ثم فيه نظر من جهة المعنى لأنه يقتضي حصر الإيمان في حب الأنصار , وليس كذلك . فإن قيل : واللفظ المشهور أيضا يقتضي الحصر , وكذا ما أورده المصنف في فضائل الأنصار من حديث البراء بن عازب " الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن " , فالجواب عن الأول أن العلامة كالخاصة تطرد ولا تنعكس , فإن أخذ من طريق المفهوم فهو مفهوم لقب لا عبرة به . سلمنا الحصر لكنه ليس حقيقيا بل ادعائيا للمبالغة , أو هو حقيقي لكنه خاص بمن أبغضهم من حيث النصرة . والجواب عن الثاني أن غايته أن لا يقع حب الأنصار إلا لمؤمن . وليس فيه نفي الإيمان عمن لم يقع منه ذلك , بل فيه أن غير المؤمن لا يحبهم . فإن قيل : فعلى الشق الثاني هل يكون من أبغضهم منافقا وإن صدق وأقر ؟ فالجواب أن ظاهر اللفظ يقتضيه ; لكنه غير مراد , فيحمل على تقييد البغض بالجهة , فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة - وهي كونهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم - أثر ذلك في تصديقه فيصح أنه منافق . ويقرب هذا الحمل زيادة أبي نعيم في المستخرج في حديث البراء بن عازب " من أحب الأنصار فبحبي أحبهم , ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم " , ويأتي مثل هذا الحب كما سبق . وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد رفعه " لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر " , ولأحمد من حديثه " حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق " . ويحتمل أن يقال إن اللفظ خرج على معنى التحذير فلا يراد ظاهره , ومن ثم لم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده , بل قابله بالنفاق إشارة إلى أن الترغيب والترهيب إنما خوطب به من يظهر الإيمان , أما من يظهر الكفر فلا ; لأنه مرتكب ما هو أشد من ذلك . ‏
‏قوله : ( الأنصار ) ‏
‏هو جمع ناصر كأصحاب وصاحب , أو جمع نصير كأشراف وشريف , واللام فيه للعهد أي : أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم , والمراد الأوس والخزرج , وكانوا قبل ذلك يعرفون ببني قيلة بقاف مفتوحة وياء تحتانية ساكنة وهي الأم التي تجمع القبيلتين , فسماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " الأنصار " فصار ذلك علما عليهم , وأطلق أيضا على أولادهم وحلفائهم ومواليهم . وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم , فكان صنيعهم لذلك موجبا لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم , والعداوة تجر البغض , ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجبا للحسد , والحسد يجر البغض , فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق , تنويها بعظيم فضلهم , وتنبيها على كريم فعلهم , وإن كان من شاركهم في معنى ذلك مشاركا لهم في الفضل المذكور كل بقسطه . وقد ثبت في صحيح مسلم عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " , وهذا جار باطراد في أعيان الصحابة , لتحقق مشترك الإكرام , لما لهم من حسن الغناء في الدين . قال صاحب المفهم : وأما الحروب الواقعة بينهم فإن وقع من بعضهم لبعض فذاك من غير هذه الجهة , بل الأمر الطارئ الذي اقتضى المخالفة , ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق , وإنما كان حالهم في ذاك حال المجتهدين في الأحكام : للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد . والله أعلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Dragon__Rouge

avatar

المساهمات : 210
تاريخ التسجيل : 05/12/2008
العمر : 32

مُساهمةموضوع: صحيح البخاري (الجزء-التاسع) ‏حلاوة الإيمان   الأربعاء ديسمبر 17, 2008 6:26 am

‏حدثنا ‏ ‏أبو اليمان ‏ ‏قال أخبرنا ‏ ‏شعيب ‏ ‏عن ‏ ‏الزهري ‏ ‏قال أخبرني ‏ ‏أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله ‏ ‏أن ‏ ‏عبادة بن الصامت ‏ ‏رضي الله عنه ‏
‏وكان شهد ‏ ‏بدرا ‏ ‏وهو أحد ‏ ‏النقباء ‏ ‏ليلة ‏ ‏العقبة ‏ ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال وحوله ‏ ‏عصابة ‏ ‏من أصحابه ‏ ‏بايعوني ‏ ‏على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ‏ ‏ببهتان ‏ ‏تفترونه ‏ ‏بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن ‏ ‏أصاب ‏ ‏من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك
‏حدثنا ‏ ‏أبو اليمان ‏ ‏قال أخبرنا ‏ ‏شعيب ‏ ‏عن ‏ ‏الزهري ‏ ‏قال أخبرني ‏ ‏أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله ‏ ‏أن ‏ ‏عبادة بن الصامت ‏ ‏رضي الله عنه ‏
‏وكان شهد ‏ ‏بدرا ‏ ‏وهو أحد ‏ ‏النقباء ‏ ‏ليلة ‏ ‏العقبة ‏ ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال وحوله ‏ ‏عصابة ‏ ‏من أصحابه ‏ ‏بايعوني ‏ ‏على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ‏ ‏ببهتان ‏ ‏تفترونه ‏ ‏بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن ‏ ‏أصاب ‏ ‏من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك ‏
فتح الباري بشرح صحيح البخاري
‏قوله : ( عائذ الله ) ‏
‏هو اسم علم أي : ذو عياذة بالله , وأبوه عبد الله بن عمرو الخولاني صحابي , وهو من حيث الرواية تابعي كبير , وقد ذكر في الصحابة لأن له رؤية , وكان مولده عام حنين . والإسناد كله شاميون ‏
‏قوله : ( وكان شهد بدرا ) ‏
‏يعني حضر الوقعة المشهورة الكائنة بالمكان المعروف ببدر , وهي أول وقعة قاتل النبي صلى الله عليه وسلم فيها المشركين , وسيأتي ذكرها في المغازي . ويحتمل أن يكون قائل ذلك أبو إدريس , فيكون متصلا إذا حمل على أنه سمع ذلك من عبادة , أو الزهري فيكون منقطعا . وكذا قوله " وهو أحد النقباء " . ‏
‏قوله : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ‏
‏سقط قبلها من أصل الرواية لفظ " قال " وهو خبر أن ; لأن قوله " وكان " وما بعدها معترض , وقد جرت عادة كثير من أهل الحديث بحذف قال خطأ لكن حيث يتكرر في مثل " قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولا بد عندهم مع ذلك من النطق بها , وقد ثبتت في رواية المصنف لهذا الحديث بإسناده هذا في باب من شهد بدرا فلعلها سقطت هنا ممن بعده , ولأحمد عن أبي اليمان بهذا الإسناد أن عبادة حدثه . ‏
‏قوله : ( وحوله ) ‏
‏بفتح اللام على الظرفية , والعصابة بكسر العين : الجماعة من العشرة إلى الأربعين ولا واحد لها من لفظها , وقد جمعت على عصائب وعصب . ‏
‏قوله : ( بايعوني ) ‏
‏زاد في باب وفود الأنصار " تعالوا بايعوني " , والمبايعة عبارة عن المعاهدة , سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية كما في قوله تعالى ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) . ‏
‏قوله : ( ولا تقتلوا أولادكم ) ‏
‏قال محمد بن إسماعيل التيمي وغيره : خص القتل بالأولاد لأنه قتل وقطيعة رحم . فالعناية بالنهي عنه آكد ولأنه كان شائعا فيهم , وهو وأد البنات وقتل البنين خشية الإملاق , أو خصهم بالذكر لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم . ‏
‏قوله : ( ولا تأتوا ببهتان ) ‏
‏البهتان الكذب يبهت سامعه , وخص الأيدي والأرجل بالافتراء لأن معظم الأفعال تقع بهما , إذ كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسعي , وكذا يسمون الصنائع الأيادي . وقد يعاقب الرجل بجناية قولية فيقال : هذا بما كسبت يداك . ويحتمل أن يكون المراد لا تبهتوا الناس كفاحا وبعضكم يشاهد بعضا , كما يقال : قلت كذا بين يدي فلان , قاله الخطابي , وفيه نظر لذكر الأرجل . ‏
‏وأجاب الكرماني بأن المراد الأيدي , وذكر الأرجل تأكيدا , ومحصله أن ذكر الأرجل إن لم يكن مقتضيا فليس بمانع . ويحتمل أن يكون المراد بما بين الأيدي والأرجل القلب ; لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه , فلذلك نسب إليه الافتراء , كأن المعنى : لا ترموا أحدا بكذب تزورونه في أنفسكم ثم تبهتون صاحبه بألسنتكم . وقال أبو محمد بن أبى جمرة : يحتمل أن يكون قوله " بين أيديكم " أي : في الحال , وقوله " وأرجلكم " أي : في المستقبل ; لأن السعي من أفعال الأرجل . وقال غيره : أصل هذا كان في بيعة النساء , وكنى بذلك - كما قال الهروي في الغريبين - عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها . ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولا . والله أعلم . ‏
‏قوله : ( ولا تعصوا ) ‏
‏للإسماعيلي في باب وفود الأنصار " ولا تعصوني " وهو مطابق للآية , والمعروف ما عرف من الشارع حسنه نهيا وأمرا . ‏
‏قوله : ( في معروف ) ‏
‏قال النووي : يحتمل أن يكون المعنى ولا تعصوني ولا أحد أولي الأمر عليكم في المعروف , فيكون التقييد بالمعروف متعلقا بشيء بعده . وقال غيره : نبه بذلك على أن طاعة المخلوق إنما تجب فيما كان غير معصية لله , فهي جديرة بالتوقي في معصية الله . ‏
‏قوله : ( فمن وفى منكم ) ‏
‏أي : ثبت على العهد . ووفى بالتخفيف , وفي رواية بالتشديد , وهما بمعنى . ‏
‏قوله : ( فأجره على الله ) ‏
‏أطلق هذا على سبيل التفخيم ; لأنه لما أن ذكر المبايعة المقتضية لوجود العوضين أثبت ذكر الأجر في موضع أحدهما . وأفصح في رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث في الصحيحين بتعيين العوض فقال " الجنة " , وعبر هنا بلفظ " على " للمبالغة في تحقق وقوعه كالواجبات , ويتعين حمله على غير ظاهره للأدلة القائمة على أنه لا يجب على الله شيء , وسيأتي في حديث معاذ في تفسير حق الله على العباد تقرير هذا . فإن قيل : لم اقتصر على المنهيات ولم يذكر المأمورات ؟ فالجواب أنه لم يهملها , بل ذكرها على طريق الإجمال في قوله " ولا تعصوا " إذ العصيان مخالفة الأمر , والحكمة في التنصيص على كثير من المنهيات دون المأمورات أن الكف أيسر من إنشاء الفعل ; لأن اجتناب المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح , والتخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل .
‏قوله : ( ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب ) ‏
‏زاد أحمد في روايته " به " . ‏
‏قوله : ( فهو ) ‏
‏أي : العقاب ( كفارة ) , زاد أحمد " له " وكذا هو للمصنف من وجه آخر في باب المشيئة من كتاب التوحيد , وزاد " وطهور " . قال النووي : عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة . قلت : وهذا بناء على أن قوله " من ذلك شيئا " يتناول جميع ما ذكر وهو ظاهر , وقد قيل : يحتمل أن يكون المراد ما ذكر بعد الشرك , بقرينة أن المخاطب بذلك المسلمون فلا يدخل حتى يحتاج إلى إخراجه , ويؤيده رواية مسلم من طريق أبي الأشعث عن عبادة في هذا الحديث " ومن أتى منكم حدا " إذ القتل على الشرك لا يسمى حدا . لكن يعكر على هذا القائل أن الفاء في قوله " فمن " لترتب ما بعدها على ما قبلها , وخطاب المسلمين بذلك لا يمنع التحذير من الإشراك . وما ذكر في الحد عرفي حادث , فالصواب ما قال النووي . وقال الطيبي : الحق أن المراد بالشرك الشرك الأصغر وهو الرياء , ويدل عليه تنكير " شيئا " أي : شركا أيا ما كان . وتعقب بأن عرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد , وقد تكرر هذا اللفظ في الكتاب والأحاديث حيث لا يراد به إلا ذلك . ويجاب بأن طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز , فما قاله محتمل وإن كان ضعيفا . ولكن يعكر عليه أيضا أنه عقب الإصابة بالعقوبة في الدنيا , والرياء لا عقوبة فيه , فوضح أن المراد الشرك وأنه مخصوص .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Dragon__Rouge

avatar

المساهمات : 210
تاريخ التسجيل : 05/12/2008
العمر : 32

مُساهمةموضوع: صحيح البخاري (الجزء-التاسع) ‏حلاوة الإيمان   الأربعاء ديسمبر 17, 2008 6:29 am

‏وقال القاضي عياض : ذهب أكثر العلماء أن الحدود كفارات واستدلوا بهذا الحديث , ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا " , لكن حديث عبادة أصح إسنادا . ويمكن - يعني على طريق الجمع بينهما - أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولا قبل أن يعلمه الله , ثم أعلمه بعد ذلك . قلت : حديث أبي هريرة أخرجه الحاكم في المستدرك والبزار من رواية معمر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة , وهو صحيح على شرط الشيخين . وقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر , وذكر الدارقطني أن عبد الرزاق تفرد بوصله , وأن هشام بن يوسف رواه عن معمر فأرسله . قلت : وقد وصله آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذئب وأخرجه الحاكم أيضا فقويت رواية معمر , وإذا كان صحيحا فالجمع - الذي جمع به القاضي - حسن ; لكن القاضي ومن تبعه جازمون بأن حديث عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة الأولى بمنى , وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام خيبر , فكيف يكون حديثه متقدما ؟ وقالوا في الجواب عنه : يمكن أن يكون أبو هريرة ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم , وإنما سمعه من صحابي آخر كان سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قديما ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أن الحدود كفارة كما سمعه عبادة , وفي هذا تعسف . ويبطله أن أبا هريرة صرح بسماعه , وأن الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك . ‏
‏والحق عندي أن حديث أبي هريرة صحيح وهو ما تقدم على حديث عبادة , والمبايعة المذكورة في حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة , وإنما كان ليلة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن حضر من الأنصار " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم " فبايعوه على ذلك , وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه . وسيأتي في هذا الكتاب - في كتاب الفتن وغيره - من حديث عبادة أيضا قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره . . الحديث . وأصرح من ذلك في هذا المراد ما أخرجه أحمد والطبراني من وجه آخر عن عبادة أنه جرت له قصة مع أبي هريرة عند معاوية بالشام " فقال : يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل , وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وعلى أن نقول بالحق ولا نخاف في الله لومة لائم , وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا , ولنا الجنة . فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بايعناه عليها . فذكر بقية الحديث . وعند الطبراني له طريق أخرى وألفاظ قريبة من هذه . وقد وضح أن هذا هو الذي وقع في البيعة الأولى . ‏
‏ثم صدرت مبايعات أخرى ستذكر في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى , منها هذه البيعة في حديث الباب في الزجر عن الفواحش المذكورة . والذي يقوي أنها وقعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الآية التي في الممتحنة وهي قوله تعالى ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك ) ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحديبية بلا خلاف , والدليل على ذلك ما عند البخاري في كتاب الحدود من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري في حديث عبادة هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايعهم قرأ الآية كلها , وعنده في تفسير الممتحنة من هذا الوجه قال " قرأ آية النساء " ولمسلم من طريق معمر عن الزهري قال " فتلا علينا آية النساء قال : أن لا تشركن بالله شيئا " وللنسائي من طريق الحارث بن فضيل عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ألا تبايعونني على ما بايع عليه النساء : أن لا تشركوا بالله شيئا " الحديث . وللطبراني من وجه آخر عن الزهري بهذا السند " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما بايع عليه النساء يوم فتح مكة " . ولمسلم من طريق أبي الأشعث عن عبادة في هذا الحديث " أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء " .
‏فهذه أدلة ظاهرة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية , بل بعد صدور البيعة , بل بعد فتح مكة , وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدة . ويؤيد هذا ما رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبيه عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن أيوب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا " فذكر نحو حديث عبادة , ورجاله ثقات . وقد قال إسحاق بن راهويه : إذا صح الإسناد إلى عمرو بن شعيب فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر ا ه . وإذا كان عبد الله بن عمرو أحد من حضر هذه البيعة وليس هو من الأنصار ولا ممن حضر بيعتهم وإنما كان إسلامه قرب إسلام أبي هريرة وضح تغاير البيعتين - بيعة الأنصار ليلة العقبة وهي قبل الهجرة إلى المدينة , وبيعة أخرى وقعت بعد فتح مكة وشهدها عبد الله بن عمرو وكان إسلامه بعد الهجرة بمدة طويلة - ومثل ذلك ما رواه الطبراني من حديث جرير قال " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل ما بايع عليه النساء " فذكر الحديث , وكان إسلام جرير متأخرا عن إسلام أبي هريرة على الصواب , وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معا , وكانت بيعة العقبة من أجل ما يتمدح به , فكان يذكرها إذا حدث تنويها بسابقيته , فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عقب ذلك توهم من لم يقف على حقيقة الحال أن البيعة الأولى وقعت على ذلك . ونظيره ما أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده - وكان أحد النقباء - قال " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب " وكان عبادة من الاثني عشر الذين بايعوا في العقبة الأولى " على بيعة النساء وعلى السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا " الحديث , فإنه ظاهر في اتحاد البيعتين ; ولكن الحديث في الصحيحين كما سيأتي في الأحكام ليس فيه هذه الزيادة , وهو من طريق مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبادة بن الوليد . والصواب أن بيعة الحرب بعد بيعة العقبة لأن الحرب إنما شرع بعد الهجرة , ويمكن تأويل رواية ابن إسحاق وردها إلى ما تقدم , وقد اشتملت روايته على ثلاث بيعات : بيعة العقبة وقد صرح أنها كانت قبل أن تفرض الحرب في رواية الصنابحي عن عبادة عند أحمد , والثانية بيعة الحرب وسيأتي في الجهاد أنها كانت على عدم الفرار , والثالثة بيعة النساء أي : التي وقعت على نظير بيعة النساء . والراجح أن التصريح بذلك وهم من بعض الرواة , والله أعلم . ويعكر على ذلك التصريح في رواية ابن إسحاق من طريق الصنابحي عن عبادة أن بيعة ليلة العقبة كانت على مثل بيعة النساء , واتفق وقوع ذلك قبل أن تنزل الآية , وإنما أضيفت إلى النساء لضبطها بالقرآن . ونظيره ما وقع في الصحيحين أيضا من طريق الصنابحي عن عبادة قال " إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم " ; وقال " بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئا " الحديث . فظاهر هذا اتحاد البيعتين ; ولكن المراد ما قررته أن قوله " إني من النقباء الذين بايعوا - أي : ليلة العقبة - على الإيواء والنصر " وما يتعلق بذلك , ثم قال : بايعناه إلخ أي : في وقت آخر , ويشير إلى هذا الإتيان بالواو العاطفة في قوله " وقال بايعناه " . وعليك برد ما أتى من الروايات موهما بأن هذه البيعة كانت ليلة العقبة إلى هذا التأويل الذي نهجت إليه فيرتفع بذلك الإشكال , ولا يبقى بين حديثي أبي هريرة وعبادة تعارض , ولا وجه بعد ذلك للتوقف في كون الحدود كفارة . واعلم أن عبادة بن الصامت لم ينفرد برواية هذا المعنى , بل روى ذلك علي بن أبي طالب وهو في الترمذي وصححه الحاكم وفيه " من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة " وهو عند الطبراني بإسناد حسن من حديث أبى تميمة الهجيمي , ولأحمد من حديث خزيمة بن ثابت بإسناد حسن ولفظه " من أصاب ذنبا أقيم عليه ذلك الذنب فهو كفارة له " . وللطبراني عن ابن عمرو مرفوعا " ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله كفارة لما أصاب من ذلك الذنب " . وإنما أطلت في هذا الموضع لأنني لم أر من أزال اللبس فيه على الوجه المرضي , والله الهادي .
‏قوله : ( فعوقب به ) قال ابن التين : يريد به القطع في السرقة والجلد أو الرجم في الزنا . قال : وأما قتل الولد فليس له عقوبة معلومة , إلا أن يريد قتل النفس فكنى عنه , قلت : وفي رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) ولكن قوله في حديث الباب " فعوقب به " أعم من أن تكون العقوبة حدا أو تعزيرا . قال ابن التين : وحكي عن القاضي إسماعيل وغيره أن قتل القاتل إنما هو رادع لغيره , وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم ; لأنه لم يصل إليه حق . قلت : بل وصل إليه حق أي حق , فإن المقتول ظلما تكفر عنه ذنوبه بالقتل , كما ورد في الخبر الذي صححه ابن حبان وغيره " إن السيف محاء للخطايا " , وعن ابن مسعود قال " إذا جاء القتل محا كل شيء " رواه الطبراني , وله عن الحسن بن علي نحوه , وللبزار عن عائشة مرفوعا " لا يمر القتل بذنب إلا محاه " فلولا القتل ما كفرت ذنوبه , وأي حق يصل إليه أعظم من هذا ؟ ولو كان حد القتل إنما شرع للردع فقط لم يشرع العفو عن القاتل , وهل تدخل في العقوبة المذكورة المصائب الدنيوية من الآلام والأسقام وغيرها ؟ فيه نظر . ويدل للمنع قوله " ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله " فإن هذه المصائب لا تنافي الستر , ولكن بينت الأحاديث الكثيرة أن المصائب تكفر الذنوب , فيحتمل أن يراد أنها تكفر ما لا حد فيه . والله أعلم . ‏
‏ويستفاد من الحديث أن إقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود , وهو قول الجمهور . وقيل لا بد من التوبة , وبذلك جزم بعض التابعين , وهو قول للمعتزلة , ووافقهم ابن حزم ومن المفسرين البغوي وطائفة يسيرة , واستدلوا باستثناء من تاب في قوله تعالى ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) والجواب في ذلك أنه في عقوبة الدنيا , ولذلك قيدت بالقدرة عليه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Dragon__Rouge

avatar

المساهمات : 210
تاريخ التسجيل : 05/12/2008
العمر : 32

مُساهمةموضوع: صحيح البخاري (الجزء-التاسع) ‏حلاوة الإيمان   الأربعاء ديسمبر 17, 2008 6:31 am

‏قوله : ( ثم ستره الله ) ‏
‏زاد في رواية كريمة " عليه " . ‏
‏قوله : ( فهو إلى الله ) ‏
‏قال المازني فيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب , ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه تحت المشيئة , ولم يقل لا بد أن يعذبه . وقال الطيبي : فيه إشارة إلى الكف عن الشهادة بالنار على أحد أو بالجنة لأحد إلا من ورد النص فيه بعينه . قلت : أما الشق الأول فواضح . وأما الثاني فالإشارة إليه إنما تستفاد من الحمل على غير ظاهر الحديث وهو متعين . ‏
‏قوله : ( إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه ) ‏
‏يشمل من تاب من ذلك ومن لم يتب , وقال بذلك طائفة , وذهب الجمهور إلى أن من تاب لا يبقى عليه مؤاخذة , ومع ذلك فلا يأمن مكر الله لأنه لا اطلاع له هل قبلت توبته أو لا . وقيل يفرق بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب , واختلف فيمن أتى ما يوجب الحد , فقيل : يجوز أن يتوب سرا ويكفيه ذلك . وقيل : بل الأفضل أن يأتي الإمام ويعترف به ويسأله أن يقيم عليه الحد كما وقع لماعز والغامدية . وفصل بعض العلماء بين أن يكون معلنا بالفجور فيستحب أن يعلن بتوبته وإلا فلا . ‏
‏( تنبيه ) ‏
‏زاد في رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث " ولا ينتهب " وهو مما يتمسك به في أن البيعة متأخرة ; لأن الجهاد عند بيعة العقبة لم يكن فرض , والمراد بالانتهاب ما يقع بعد القتال في الغنائم . وزاد في روايته أيضا : " ولا يعصي بالجنة , إن فعلنا ذلك , فإن غشينا من ذلك شيئا ما كان قضاء ذلك إلى الله " أخرجه المصنف في باب وفود الأنصار عن قتيبة عن الليث , ووقع عنده " ولا يقضي " بقاف وضاد معجمة وهو تصحيف , وقد تكلف بعض الناس في تخريجه وقال : إنه نهاكم عن ولاية القضاء , ويبطله أن عبادة رضي الله عنه ولي قضاء فلسطين في زمن عمر رضي الله عنه . وقيل : إن قوله " بالجنة " متعلق بيقضي , أي : لا يقضي بالجنة لأحد معين . قلت : لكن يبقى قوله " إن فعلنا ذلك " بلا جواب , ويكفي في ثبوت دعوى التصحيف فيه رواية مسلم عن قتيبة بالعين والصاد المهملتين , وكذا الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان , ولأبي نعيم من طريق موسى بن هارون كلاهما عن قتيبة , وكذا هو عند البخاري أيضا في هذا الحديث في الديات عن عبد الله بن يوسف عن الليث في معظم الروايات , لكن عند الكشميهني بالقاف والضاد أيضا وهو تصحيف كما بيناه . وقوله " بالجنة " إنما هو متعلق بقوله في أوله " بايعنا " . والله أعلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
صحيح البخاري (الجزء-التاسع) ‏حلاوة الإيمان
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
وطن بلاوطن :: قسم الدين :: المنتدى الإسلامي :: منتدى القرآن الكريم :: مندى الحديث الشريف-
انتقل الى: